آخر الأخبارتحليلات و آراء

أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية القيادة الفلسطينية نموذجاً -3

محمد حسين

منذ بداية تشكيل المنظمات الفلسطينية كانت كل قياداتها تنتمي إلى الجيل الشاب الممتلىء بالحيوية، النشاط، الاندفاع ومواجهة التحديات مهما كبرت ، كانوا يحملون قناعات راسخة بحتمية تحقيق الانتصار معتمدين على شعبهم وأمتهم العربية وأحرار العالم،  وكانت البندقية لهم تمثل   البوصلة باتجاه الوطن،  تعرضوا للاعتقال، والمطاردة والحصار لكنهم لم ينهوا أو يتراجعوا بل ازدادوا  إصراراً على مواصلة النضال الشاق،  عبروا النهر باتجاه الوطن مع المجموعات المقاتلة( الشهيد ياسر عرفات ) قاتلوا في معركة الكرامة عام ١٩٦٨ جنباً إلى جنب مع المقاتلين، وحققوا انتصاراً بعد هزيمة مدوية عام ١٩٦٧،

لقد حققت هذه الثورة بتلك الروح الكفاحية العالية للقيادات الفلسطينية إنجازاً وطنياً  نوعياً بعد عشر سنوات من انطلاقتها تمثل في اعتراف العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني رغم تآمر النظام الرجعي العربي ودموية العدو الصهيوني ودعم وانحياز العالم الغربي له.

•تغير سيكولوجية القيادة

انتقلت الثورة وقياداتها إلى لبنان بعد الأردن فبدلاً من أن تقيم هذه القيادات مع حاضنتها في المخيمات ومقاتليها في الجنوب اللبناني أقامت في العاصمة بيروت التي كانت تسمى( باريس الشرق)

وبدأت بإنشاء جيش من العاملين والموظفين في مكاتبها الضخمة والباذخة  حيث أصبح المناضل بسبب التغيير الذي حصل عليه يميل أكثر فأكثر من( روح المناضل) إلى( روح الموظف) هذه الروح المستمرة إلى الآن،

وأغدق المال على  القيادات من كل حدب وصوب ( إذا أردت أن تفسد ثورة فاغدق عليها المال… هوشه منه القائد الفيتنامي ) فاستبدلت سيارة( اللاند روفر ) رمز الفدائي بسيارة المرسيدس، والسيارات المصفحة، وبدأت نفسية  وسلوك هذه القيادات تتغير، وأصبحت تتردد على مخيمات شعبها ومقاتليها في الجنوب  كضيف زائر أو لإلقاء خطبة ،ثم تعود إلى دولة( الفاكهاني ) تسكن في أفضل الشقق وهذا ما سهل على العدو الصهيوني اغتيال بعض قياداتها ( الشهيد غسان كنفاني بالحازمية الشهداء الثلاث كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في منطقة الفردان وأبو حسن سلامة في الفاكهاني )

في أحد الأعوام زار صحفي فلسطيني فيتنام ليتعرف على حقيقة انتصار الثورة الفيتنامية عن قرب، ذهب إلى متحف هوشه منه بمدينة هانوي ليرى منزل (هوشه منه) الذي كان عبارة عن غرفة نوم بسيطة مكونة من سرير وطاولة للكتابة وكرسي ورفوف للكتب إضافة إلى مطبخ وغرفة صغيرة للضيوف، أدرك حينها سر انتصار هذه الثورة على أعتى قوتين في العالم أمريكا وفرنسا )

• من الخنادق إلى الفنادق

استمر التغيير السيكولوجي عند أغلب القيادات الفلسطينية التي أصبحت تميل شيئاً فشيئاً إلى العيش الرغيد وأصبحت الحسابات الشخصية طاغية على سلوكها ومواقفها الوطنية التي تتطلب قدراً كبيراً من التضحية عند اتخاذها ( اعتقال ،مطاردة، حصار و فقدان الامتيازات إلخ…)
بحيث أصبحت تميل أكثر فأكثر إلى استسهال النضال باستثناء قلة قليلة منها بقيت محافظة على صورة (فدائي البدايات)

في مطلع الخمسينات قررت أمريكا التفاوض مع الثوار الفيتناميين فأرسلت لهم أن يرسلوا وفداً يمثلهم في باريس للتفاوض حول وقف الحرب،  أرسل الثوار وفداً مكوناً من أربعة أشخاص رجلين وامرأتين وكانت المخابرات قد جهزت للوفد الإقامة في أرقى فنادق باريس،
عندما وصل الوفد كانت السيارات تنتظرهم لنقلهم إلى مكان الإقامة في الفندق لكن الوفد الفيتنامي رفض ركوب السيارات وطلب مغادرة المطار بطريقته على أن يحضر الاجتماع في الموعد المحدد،

استغرب الوفد الأمريكي ذلك وسأل رئيس الوفد
أين ستقيمون؟
أجابه: عند طالب فيتنامي في أحد ضواحي باريس.
فتعجب الأمريكي وقال له: لقد جهزنا لكم إقامة مريحة في فندق ضخم
فأجابه الفيتنامي: نحن كنا نقاتلكم ونقيم في الجبال وننام على الصخور فلو تغيرت علينا طبيعتنا نخاف أن تتغير معها ضمائرنا فدعونا وشأننا )

هذا أحد العوامل المهمة الذي ساعد الثورة الفيتنامية على الانتصار  (القيادة وطبيعتها) فأين معظم قياداتنا من هذا النموذج ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى