الكذب.. والصندوق الأسود لنوايانا
كتب : لؤي عوض الله
الكل والكل هنا يكذب في زمن كثر فيه الهرج والمرج وعدلت فيه المفاهيم لتتناسب مع المضامين والمصالح، نعم الكل يكذب أو إن شئت أن تخفف من أثرها السيء عليك جملها كما تحب وأطلق عليها بلغة العصر “يدبر أموره” ليحقق أهدافه..فلم يعد الأمر معيبا أو منبوذا وإنما مفخرة يمتدح صاحبها ويذم تاركها فالتلاعب بالألفاظ وطمس بعض الحقائق لتحقيق الغايات وأكل الحقوق جائز المهم أنك تكذب ..
كذب وكذب وكذب حتى وصلنا إلى الأسوأ في ذلك كبيع البلاد وقيم البشر وندعي بذلك تحريرهم من كل القيود فهل نبارك للبائع أم للمبيوع ؟!
لا عليك ..سنقم الندوات ومن ثم المظاهرات لنسبح بالحاكم والانجازات، فهو القائد الذي لم يخلق مثله من قبل والتي لم تلده ولادة.. ملهم موشح بالحكمة والذكاء، لكنه أيضا يكذب بوعوده البراقة.
وسيكذب إن قال أن البلد ستحمل أبنائها على كفوف الراحة..أمن وأمان لن تجده في أي مكان ، والكل سواسية كأسنان المشط الكسور..أما الخدمات ويالها من انجازات ومن شده الإبهار جاء الغرب مبهورا مهرولا كالمجنون لينهل من معجزاتنا في إدارة البلاد والعباد ..
أما عن ثوراتنا فحدث ولا عجب ..وتعلم المهم أن تتعلم لتستفيد منا ، فالكاذبون ثاروا على الكاذب طالما الكذب مباح فلا تخف من الذنب فالهدف سام والعدو بائن والاستجارة بعدوك جائز ، حتى وإن بالغت في الكذب ففتاوي مشائخنا تقف وراءنا كدعم ، فلقد أصبح المارقون في مقدمه الثائرين في بعض الدول الثائرة ولعدوها الكاذب قاهرة.
فماذا صنعنا إلا أن صفقنا لكاذبين جدد وهنيئا للأمة سوف تنعم بالازدهار المنشود وتعمر البلاد وتزداد الوعود بعد، فيالها من ثورات أما عن القضية الأهم والمنسية فحدت ولا حرج فالكل عنها مدافع في زمن المتراجعون والأفاقون والمستغلون لجراحها النازفة دوما فهؤلاء المضحون ودوما في الخندق مرابطون وفي الصف الأول صامدون، أما الآخرون على قارعه الطريق ينتظرون…
أساطير من التضحيات والبطولات لاستجداء المساعدات والمعونات وشعب مطحون بين هؤلاء وهؤلاء والضحية ليست دوما ببريئة بل تتقن أحيانا لعب دور الضحية إن اخطأت فلا ضير فالذنب مغفور باسم الإنسانية ومعذبيها فالسرقة مسموح بها باسم الحاجة .
بداعي الإنسانية التي شوهوها وقتلوا ضميرها لتخدمهم وتلمع صورتهم…تجدهم أينما ذهبوا بكاميراتهم التي ترافقهم لتروي مدى تخفيف معاناتهم في بعض بقاع الأرض وفي البقاع المنسية حيث الجوع يصاحبهم والفقر ملازمهم والذل والقهر قاتلهم لا يراهم احد إلا عابري السبيل صدفه قد تبقيهم على قيد الحياة.
ففي طفولتنا زرعوا الرعب في براءتنا وفضوا مضاجعنا تخويفا من الكذب.. إلى النار مصيرك إن كذبت ولن يغفر الله لك ذلك الكذب وان صدقت نجوت ودخلت الجنة..في تربيتهم تدخلوا في أحكام الله وأقداره…لم يشرحوا عواقبه ومضاره بل حصرها في جنه ونار فقط أي عقاب وثواب، برروا لكذبهم أمامنا وأسموها الكذبة البيضاء ليجملوا قبحها ويعطوها شرعيه ليبيحوها ونسوا و تناسوا أن فاقد الشيء لا يعطيه، وان كل ممنوع مرغوب فأصبحنا من ذوي الكذب الأبيض مادامت في سياقها الصحيح أو المناسب وتؤدي الغرض، أما في المشاعر فالذنب أعظم وأبشع .
ومقاييس الكذب وكمياته تتفاوت ،أي نسبه وتناسب ،تزداد ازديادا عاصفا بحسب المصالح فلا أخ يبحث عن أخيه ولا ابن عن أبيه ولا الحبيب مع حبيبته، فتتأرجح بينهم المشاعر مادام الجيب عامر وتبلغ ذروتها إذا كان الحبيب كامل أو هي كاملة الأوصاف شكلا ومركزا وحسبا ونسبا فالحياة مبنية على المظاهر ،والغريب أن الحظ يرافقهم في مأربهم ويجافي أصحاب المشاعر الصادقة ،فهل يا ترى العيب فيهم أم فينا في زمن يكذب في الصادق ويصدق الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون الأمين؟
لا عجب أن يكون هذا حالنا في زمن أبرز سماته الكذب وأبعد عن صفات البشر الصدق فكل شيء مباح مادام متاح في عقول البشر المرضى وضمائرهم المشوهة ومبادئهم المزورة.