“ترامب كان على حق”.. من سيكون الخصم الأساسي لأمريكا في عهد بايدن الصين أم روسيا؟

 كان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعادي الصين بشكل لافت، ولكنها كانت متهمة بأنها أكثر ليونة مع روسيا عما ينبغي أن يكون، واليوم مع تولي جو بايدن تولي السلطة من سيكون عدو أمريكا الأول، الصين أم روسيا؟

ومع بدء إدارة بايدن وضع سياسة خارجية أمريكية جديدة، شدّد أنتوني بلينكين، المرشح لمنصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة، خلال جلسة استماع في الكونغرس، على أن الخصمين العالميين للولايات المتحدة هما الصين وروسيا، وأن إدارته ستتخذ خطوات لاستعادة الصورة العالمية للولايات المتحدة خلال وزارته، على حد تعبيره.

ترامب كان على حق

وتقليدياً، ينتقد الديمقراطيون وغيرهم من معارضي ترامب سياسته تجاه الصين وروسيا، فيرونه بالَغَ في عدائه للصين، عبر إشعاله الحرب التجارية معها، بينما يرون أنه كان ليناً أكثر مما ينبغي مع روسيا، بل يتهمونه بالإعجاب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتصل الاتهامات أحياناً إلى حد الحديث عن التعاون مع بوتين، لدرجة مطالبة هيلاري كلينتون برصد تسجيلات اتصالات ترامب مع الرئيس الروسي.

ولكن المفاجأة أن أنتوني بلينكن، مرشح الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنصب وزير الخارجية، فاجأ الجميع بإعلانه أن ترامب كان على حق فيما يتعلق بموقفه من الصين، في مؤشر أن الموقف من بكين سوف يحتل مساحة كبيرة من تفكير الإدارة الديمقراطية القادمة.

وقال بلينكن إنه ليس هناك أي شك في أن الصين تشكل أكبر تحدٍّ أمام الولايات المتحدة أكثر من أي دولة أخرى.

جاء ذلك خلال جلسة الاستماع، لتأكيد تعيينه أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، مساء الثلاثاء.

كما أعرب عن تأييده لموقف دونالد ترامب “الحازم” من الصين، حتى لو لم يتفق مع أساليب إدارته.

وقال: “اسمحوا لي فقط أن أقول إنني أعتقد أيضاً أن الرئيس ترامب كان على حق في اتخاذ موقف حازم تجاه الصين”.

ولكن تصريح وزير الخارجية المحتمل لأمريكا، لا يعني أن إدارة بايدن تريد القطيعة مع بكين، بل تبدأ التقارب مع الصين من مبدأ قوة وليس مبدأ ضعف، حسب بلينكن.

ومن الواضح أنه يريد خلق تحالف من الدول المحيطة بالصين والخائفة منها، إذ قال إن جزءاً من موقف القوة في التعامل مع الصين، في العمل مع الحلفاء والمشاركة مع المؤسسات الدولية.

من سيكون عدو أمريكا الأول، الصين أم روسيا؟
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع الرئيس الصيني/رويترز

وتابع: “أنا لا أتفق كثيراً مع الطريقة التي اتبعها في ذلك في عدد من المجالات، لكن المبدأ الأساسي كان صحيحاً، وأعتقد أن هذا مفيد بالفعل لسياستنا الخارجية”.

بدوره ركز لويد أوستين، مرشح الرئيس المنتخب جو بايدن لمنصب وزير الدفاع الأمريكي، على الصين، خلال إجابته عن أسئلة أعضاء مجلس الشيوخ في جلسة للجنة القوات المسلحة، من أجل المصادقة على ترشيح بايدن له لتولي حقيبة الدفاع (البنتاغون) في إدارته المقبلة.

وأعرب لويد أوستين عن قناعته بضرورة تركيز جهود واشنطن على ردع الصين، على النطاق العالمي.

وقال عن الصين “إنها تعزز من تأثيرها على الدول الضعيفة اقتصادياً في الشرق الأوسط، لكنها لم تعزز حضورها العسكري بعد”، معتبراً أن تلك التصرفات تشكل خطراً على النفوذ الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي في المنطقة.

ومن الواضح أن ملف الإيغور سيكون أداة الغرب المفضلة في معاندة الصين.

إذ قال أنتوني بلينكين، إنه ينضم للقرار الذي اتخذته إدارة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، الذي يتهم الصين بـ”ارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية” بإقليم تركستان الشرقية، غربي البلاد (لم يشر إلى أن ترامب كان مؤيداً لفكرة احتجاز الصين للإيغور في معسكرات)، حسب رواية مستشار الأمن القومي السابق جو بولتون.

العلاقة مع روسيا.. تحدٍّ وإدارة مشتركة للأزمات

رغم أن إدارة بايدن لم تتخلَّ عن تصنيف روسيا باعتبارها خصماً لأمريكا، فإن اللافت أنها بدت أقل حدة من المتوقع مع الدولة التي كان الديمقراطيون يلومون ترامب دوماً على اللين معها.

إذ قال المرشح لمنصب وزير الدفاع خلال إجابته عن أسئلة أعضاء مجلس الشيوخ في جلسة للجنة القوات المسلحة، من أجل المصادقة على ترشيح بايدن له لتولي حقيبة الدفاع (البنتاغون)، “في حال الموافقة على تعييني سأبحث عن السبل لتجنب التصعيد الخطير، وحماية مصالحنا وقيمنا بحزم، وسأترك الباب مفتوحاً للتعاون مع روسيا في المجالات ذات الاهتمام المشترك”.

وذكر أوستين من بين المجالات المحتملة للتعاون الرقابة على الأسلحة ومحاربة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتسوية النزاعات العسكرية في المناطق التي تعمل فيها القوات الأمريكية والروسية على مقربة من بعضها البعض.

واعتبر أن تمديد معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية “ستارت-3” مع روسيا يصب في مصلحة واشنطن.

بايدن مع بوتين/رويترز

في المقابل ركّز وزير الدفاع الأمريكي المحتمل على ردع السياسة الروسية الهجومية، إذ قال أوستين إنه من بين المهام الرئيسية للولايات المتحدة “ردع روسيا والحد من عملها ضد المصالح الحيوية الأمريكية، بما في ذلك حماية حلفاء أمريكا من العدوان العسكري الروسي”.

واتهم أوستين روسيا بانتهاك القانون الدولي، وسلوك يتناقض مع المصالح الأمريكية.

وتجاهل الوزير الأمريكي أن بداية هذه السياسة الروسية الهجومية بدأت في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي خذل الثورة السورية، وترك بشار الأسد يُفلت بجرائمه ضد الشعب السوري، ومنها استخدامه الأسلحة الكيماوية، الأمر الذي شجع الروس على التدخل في سوريا، ليكون هذا الأمر بداية لتعزيز النفوذ الروسي المنطقي.

وأشار وزير الدفاع الأمريكي المحتمل إلى ضرورة الحفاظ على القدرات العسكرية التقليدية والنووية للولايات المتحدة من أجل ردع روسيا.

واعتبر أوستين أنه من الضروري “محاسبة” موسكو على الهجمات السيبرانية على الأجهزة الحكومية الأمريكية، في حال حدد مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي الأمريكية “ضلوع” روسيا في تلك الهجمات.

الشرق الأوسط ساحة جديدة لصراع أمريكا مع روسيا والصين

وتعهد أوستين باستعراض الحضور الأمريكي ليضمن أن يكون “متزناً” وقادراً على التعامل مع التحديات “بما في ذلك من قبل روسيا والصين”.

واعتبر أوستين أن روسيا والصين تسعيان لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة “من خلال زيادة مبيعات الأسلحة بهدف دقّ إسفين بيننا وبين شركائنا”.

وقال إن “روسيا تسعى لتغيير الهيكل الأمني للشرق الأوسط، وتوسيع نفوذها في المنطقة، من خلال الاستفادة من الانفلات الإداري وظهور نزاعات مجمدة”.

من سيكون عدو أمريكا الأول، الصين أم روسيا؟

يبدو السؤال: من سيكون عدو أمريكا الأول، الصين أم روسيا؟ محيراً بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة وكل إدارة، وذلك بسبب الخلاف بين طبيعة الدولتين والتهديد الذي تشكله كل منهما على مصالح الغرب وأمريكا.

فعلى على عكس التحذيرات الأمريكية من الصين، لا تمارس بكين علاقات عداونية خطيرة في الوقت الحالي، مقارنة بروسيا وأمريكا نفسها.

فحتى تحرش الصين بجيرانها في الخلافات الحدودية يظل أقل مدى من التدخل الروسي في أوكرانيا وضم القرم، ثم التدخل في سوريا، وأخيراً ليبيا، وهو أقل مدى من حروب أمريكا في العقود الماضية مثل العراق وأفغانستان.

فعلياً الصين هي أقل قوة عظمى عدوانية خلال العقود الخمسة الماضية، وآخر حروبها كانت مع فيتنام، وقد تعرضت لخسارة فيها.

الصين تركز بشكل أساسي على التنمية، بل هي تحاول أن تقلل من صورتها كدولة عظمى، حتى لا تتحمل أعباء هذه المهمة، والأضرار الناجمة عن الخوف الغربي من صعودها في ظل حاجتها للتكنولوجيا الغربية والتجارة مع أمريكا وأوروبا، حتى أنها كانت تصرُّ على تصنيف نفسها كدولة نامية.

نعم بدأت القيادة الصينية تغير هذه السياسة، ولكنها لم تصل قط إلى مرحلة روسيا في محاولة فرض نفوذها وتحدي الغرب عبر خليط من الأساليب الدعائية والاستخباراتية والعسكرية الفجة.

الفرق بين الدولتين هو أن الصين قوة عظمى مستقبلها أفضل من ماضيها، بينما روسيا ماضيها أعظم من مستقبلها، لذا تهدف سياسة روسيا إلى تأكيد دورها الكوني بما تبقى لها من أدوات القوى العظمى من أسلحة نووية وقدرات عسكرية واستخباراتية وإعلامية، وتحاول خلق أجواء تؤكد دورها خوفاً من انحسار هذا الدور في ضوء تراجع وزنها النسبي، مقابل صعود قوى عدة، ليست الصين وأمريكا فقط.

وعلى العكس فالصين واثقة من أن وزنها كقوة عظمى سيزداد في المستقبل، مع استمرار نموها السكاني وتقليصها الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية مع الغرب.

لذا لا تريد استفزاز الغرب حتى لا يعطل هذه المسيرة.

وهذا ما يجعل روسيا خصماً آنياً مشاغباً للولايات المتحدة، ولكن الصين خصم مستقبلي أكثر خطورة.

روسيا تشاغب الغرب في الوقت الحالي، ولكن الصين تريد التفوق عليه في المستقبل.

ومن هنا جاء إعطاء إدارة بايدن الحالية اهتماماً يبدو مفاجئاً للتنافس مع الصين، لدرجة أن يدافع المرشح لمنصب وزارة الخارجية في عهد الرئيس الديمقراطي عن موقف ترامب من العلاقة مع الصين، بعد أن ظلت الصحافة الأمريكية الليبرالية لأربع سنوات تهاجم تصعيد ترامب مع الصين.

أما أكثر من قد يشعر بالقلق من التركيز الأمريكي على الصين، ويخشون أن يؤثر ذلك على مواقف أمريكا من روسيا، فهم الأوروبيون الذين يريدون من إدارة بايدن التي يعتبرونها صديقة لهم أن تركز على التصدي للمغامرات الروسية والتهدئة مع التنين الصيني شريكهم التجاري الكبير.

وحتى مع الانتقادات الحادة للحرب التجارية التي أشعلها ترامب مع الصين، فإنه من المرجح أن تكون هذه الحرب هي بداية أي تحرك لإدارة بايدن تجاه الصين وورقة في يدها للتعامل مع بكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى