آخر الأخبارتحليلات و آراء

تهديد الحريديم بالعودة لديارهم الأصلية.. وهشاشة الكيان 2/2

سليم الزريعي

 

 مشاركة في المغارم أيضا

غير أن البعض كان يعتبر أنه من غير المقبول استمرار الحريديم المشاركة في المغانم دون تحمل عبء المغارم فبدأت سلطات الاحتلال منذ العام 2000 السعي لمعالجة مسألة تجنيد “الحريديم”، وذلك عندما سن الكنيست قانوناً خول وزير الدفاع الإسرائيلي بتأجيل الخدمة العسكرية لهذه الفئة لمدة أربعة سنوات، وفي السنة الخامسة، فإن الوزير مخول بتحديد حاجة الجيش إلى عدد معين منهم للجيش أو للخدمة المدنية، أو بالاستمرار في إعفائهم من الخدمة، وتم تجديد العمل بهذا القانون منذ 2007 وحتى العام 2012، وبعد إيقاف العمل بالقانون لمدة عامين تقريباً، إثر ضغوط بعض المنظمات الحقوقية.

وفي عام 2014، أقر ما عُرف بـ “قانون المساواة في تقاسم الأعباء”، وكان الهدف الأساسي لهذا القانون هو زيادة عدد طلاب “الحريديم” الذين يتم تجنيدهم في الجيش، فضلاً عن المزيد من الدمج لهذه الفئة في سوق العمل الإسرائيلي، وقد نص القانون على أنه في حال رفض الجمهور الحريدي توفير عدد من المجندين للجيش في العام 2017 يصل إلى 5200 طالب، فإن الحكومة سوف تتعامل مع الجمهور الحريدي بنفس أدوات التعامل مع رافضي الخدمة العسكرية. إلا أنه في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت عام 2015، وما تبعها من دخول الأحزاب الدينية إلى الحكومة، وما ساد من تبعية لهذه الحكومة للأحزاب الحريدية، تم إلغاء هذا القانون، وجرى سن قانون جديد يتيح تأجيل تجنيد المتدينين حتى العام 2023.

وفي أواخر شهر فبراير الفائت، وضع الوزيران في مجلس الحرب الإسرائيلي بيني غانتس وغادي آيزنكوت خطة لتوسيع التجنيد في الجيش الإسرائيلي، تقوم على تجنيد العرب واليهود «الحريديم»، كون أن «جميع شرائح المجتمع يجب أن تخدم البلاد»، وربط غانتس وآيزنكوت، وهما رئيسان سابقان لأركان الجيش الإسرائيلي، بين تقديم دعمهما جهود الحكومة لتمديد فترة خدمة قوات الجيش الإسرائيلي وبين قبول خطتهما لتوسيع التجنيد والتي تسعى إلى زيادة عدد الإسرائيليين الذين يتم تجنيدهم تدريجياً على مدار فترة العقد المقبل، وجاءت خطة “غانتس” و”آيزنكوت” أيضاً في الوقت الذي أمرت فيه محكمة العدل العليا الحكومة بتوضيح سبب عدم إلغاء قرار صادقت عليه في يونيو 2023، يأمر الجيش بعدم تجنيد طلاب المدارس الدينية «الحريدية».

وفي هذا السياق نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية في 26 فبراير الفائت، التماسات قدمتها كل من “الحركة من أجل جودة الحكم”، “حركة أخوة السلاح”، “منتدى أيالون لحقوق الإنسان”، “الحركة من أجل الديمقراطية المدنية” و”أمهات في الجبهة”، بإلزام الحكومة والجيش الإسرائيلي بالبدء فوراً بتجنيد الشبان الحريديم للخدمة العسكرية، ومن ناحية أخرى بالوقف الفوري للأموال الباهظة التي ترصدها الحكومة لتمويل مدارسهم الدينية، وفي ختام مداولاتها أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية جملة من الأوامر المؤقتة التي تُلزم الحكومة الإسرائيلية بتفسير أسباب عدم إلغاء قرار الحكومة الاستمرار في عدم تجنيد طلاب المدارس الدينية الحريدية بالرغم من انتهاء مدة سريان القانون الذي أجاز ذلك؛ وكذلك بتفسير سبب عدم تحرك الحكومة واتخاذها إجراءات عملية لتجنيد هؤلاء الشبان وتفسير سبب عدم وقف تمويل دراسة هؤلاء الطلاب الذين يبلغ عددهم أكثر من 66 ألفاً، رغم انعدام أية مرجعية قانونية تجيز ذلك. وقد أمهلت المحكمة الحكومة حتى يوم 24 مارس الجاري موعداً أقصى لتقديم ردودها على هذه الأوامر.

وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد ألغت في 2018 القانون الذي كان ينظم مسألة إعفاء طلاب المدارس اليهودية الحريدية من الخدمة العسكرية وعدم تجنيدهم في صفوف الجيش، وذلك بسبب “انتهاكه مبدأ المساواة وتعارضه معه”. ومنذ ذلك الوقت، منحت المحكمة الحكومة الإسرائيلية والكنيست الإسرائيلي مُهلاً متجددة لسن قانون جديد ينظم هذه المسألة، انتهت كلها مع نهاية يونيو 2023، وعملياً منذ أول يوليو 2023، ليس ثمة في إسرائيل قانون يجيز هذا الإعفاء أو تأجيل التجنيد. إلا أن الحكومة الإسرائيلية حاولت الالتفاف على هذا الواقع بقرار حكومي اتخذته في أواخر يونيو الماضي يأمر الجيش الإسرائيلي بعدم تجنيد طلاب المدارس الدينية الحريدية ويبقى ساري المفعول حتى 31 مارس 2024. لكن، في موازاة هذا القرار، واصلت الحكومة تمويل دراسة 66 ألفاً من هؤلاء الطلاب في تلك المدارس، بما يتعارض مع معايير المدفوعات والمخصصات الحكومية في هذا المجال.

 

ساعة الحقيقية

يشكل موعد 31 مارس ساعة الحقيقية بالنسبة للحكومة والقوى الحريدية، ففي ذلك التاريخ من المفترض أن ينتهي سريان الأمر الصادر عن الحكومات المتعاقبة بمنح اليهود “الحريديم” الإعفاء من الخدمة العسكرية، مقابل دراسة التوراة في المدارس الدينية اليهودية.

وبين مطرقة قرار المحكمة وسندان تهديد الحاخام الحريدي الأكبر ستكون حكومة نتنياهو المأزومة المشكلة من ائتلاف متطرف من الأحزاب الحريدية التي تعارض قانون التجنيد بشدة، أمام سؤال استمرارها من عدمه،  هذا يعني تضاعف أزمات الكيان التي تكشف عن عمق أزمته البنيوية الممتدة التي لا حلول لها، كونها أزمة تتعلق بوجوده في ذاته.

 

مأزق الحكومة المتطرفة سيعطي ورقة مهمة للقوى التي تطالب نتنياهو بالاستقالة وتدفع باتجاه تجنيد الحريديم ـمن أجل  التساوي في المواطنة، أي  في المغانم والمغارم ، وهو التحدي الذي قد يضع حدا لمستقبل نتنياهو السياسي.. في كل الحالات..وهي من ثم أزمة كاشفة في طبيعة التكوين البشري الهش لهدا الكيان مهما بدا قويا في الظاهر.

 

المصادر:

انظر: ردود فعل واسعة لتصريحات حاخام اليهود الشرقيين حول التجنيد والهجرة، https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/

انظر: محمد وتد، قانون التجنيد الإسرائيلي يفجر أزمة “الحريديم” وقوات الاحتياط، 12/3/2024، https://www.aljazeera.net/politics/

انظر: محمد فوزري، “تجنيد الحريديم”: إشكالية إسرائيلية قديمة تتجدد بفعل الحرب، 7/3/2024، https://marsad.ecss.com.eg//

انظر: لينا صالح، من هم يهود «الحريديم» ولماذا يرفضون التجنيد الإجباري بالجيش الإسرائيلي؟ 27/2/2024، https://aawsat.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى