ماذا سيحدث إذا توقف (GPS) عن العمل فجأة؟ خسائر بالمليارات ستطال هذا القطاع

تخيل نفسك استيقظت من النوم صباحاً وأثناء تشغيل سيارتك اكتشفت أن  نظام تحديد المواقع (GPS) توقف فجأة عن العمل؟، فما هو موقفك حينها؟ في التقرير القادم لموقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC يجيب على هذا التساؤل.

في البداية، سوف نحتاج جميعاً إلى الانتباه التام للعالم من حولنا عندما ننتقل من النقطة «أ» إلى «ب». ربما لن يكون ذلك أمراً سيئاً، فقد تقل احتمالات سقوط السيارات في الأنهار أو من فوق المنحدرات بسبب الثقة العمياء في أنظمة الملاحة وتطبيقات الخرائط.

بالتأكيد لديك قصة عن مواقف حمقاء لا يمكن الوقوع فيها إلا من خلال نظام تحديد المواقع. قصتي المفضلة هي عن زوجين سويديين أخطآ في كتابة جزيرة كابري الإيطالية، وبعد مئات الكيلومترات بعيداً عن كابري، تساءلا أين البحر؟

وهذه القصة ليست استثناء.

ماذا سيحدث حينها؟

وبحسب الشبكة البريطانية عادة ما تساعدنا الأجهزة التي تستخدم نظام تحديد المواقع في ألا نتوه في الطريق. ولكن إذا توقفت عن العمل، سوف تصبح الطرق مكتظة بالسائقين الذين يبطئون من أجل قراءة اللافتات الإرشادية أو سؤال أقرانهم أو التوقف لمعاينة الخرائط الورقية. وإذا كانت رحلتك تتضمن ركوب القطار، فلن تكون هناك لوحة تخبرك بموعد وصولك المتوقع.

اتصل هاتفياً لاستدعاء سيارة أجرة، وسوف تشعر بمعاناة الطرف الآخر في تتبع أسطول السائقين في الشوارع. افتح تطبيق Uber، مهلاً، لن يكون هناك وجود للتطبيق من الأساس.

بدون نظام تحديد المواقع، سوف تعاني خدمات الطوارئ؛ لن يتمكن متلقو الاتصالات من تحديد موقع المتصل بناء على إشارة الهاتف، أو تحديد أقرب سيارة إسعاف أو دورية شرطة.

سوف نشهد العديد من الانفجارات في الموانئ؛ رافعات الحاويات تحتاج إلى نظام تحديد المواقع من أجل تفريغ الشحنات.

سوف تظهر فجوات كبيرة بين رفوف المتاجر بسبب توقف أنظمة الإمداد والتموين «الفورية». وقد تُصاب المصانع أيضاً بالركود بسبب عدم وصول مدخلات العملية الإنتاجية في الوقت المحدد.

 خسائر قد تصل إلى مليار دولار!

وذكر تقرير الحكومة البريطانية أن مجالات الزراعة، والإنشاءات، وصيد الأسماك، ومسح الأراضي سوف تتأثر بتوقف نظام تحديد المواقع عن العمل وقدرت الخسائر بحوالي مليار دولار يومياً خلال الخمسة أيام الأولى.

وإذا استمر التوقف لفترة أطول، قد نبدأ القلق بشأن قدرة الأنظمة الأخرى على التحمّل، وهي أفكار لم تكن لتخطر ببالك في حال وجود خدمة نظام تحديد المواقع.

في الحقيقة، لا يقتصر نظام تحديد المواقع العالمي على خدمة مواقع فقط، بل خدمة زمنية أيضاً.

يتألف نظام تحديد المواقع من 24 قمراً صناعياً تحمل جميعها ساعات متزامنة على أعلى درجة ممكنة من الدقة.

عندما يستخدم هاتفك الذكي نظام تحديد المواقع العالمي لتحديد موقعك على الخريطة، يلتقط النظام إشارات بعض تلك الأقمار الصناعية، ويجري الحسابات بناء على وقت إرسال الإشارة ومكان القمر الصناعي.

إذا شردت هذه الساعات على تلك الأقمار، الساعات بمقدار مليون جزء من الثانية، سوف تجد نفسك في موقع مغاير على الخريطة بمسافة تصل إلى 200 أو 300 كيلومتراً.

لذا، إذا أردت معلومات دقيقة جداً بشأن الوقت، سيكون نظام تحديد المواقع العالمي هو أفضل ما قد تحصل عليه.

فكر في الشبكات الهاتفية: اتصالاتك تتشارك نفس المساحة مع اتصالات أخرى من خلال تقنية تُعرف بـ «الإرسال المتعدد»؛ إذ تحصل البيانات على طابع زمني، وتُشفّر، ثم يُفك تشفيرها على الطرف الآخر.

أي هفوة بمقدار 1/100,000 جزء من الثانية قد يتسبب في مشكلات كبيرة. جميع الخدمات التي تعتمد على مواقع مختلفة، مثل المدفوعات البنكية، وأسواق البورصة، وشبكات الكهرباء، والبث الرقمي، والحوسبة السحابية، تتفق على التوقيت.

إذا توقف نظام تحديد المواقع العالمي، ما مدى جودة ومدة احتفاظ أنظمة التخزين الاحتياطي بتلك البيانات المختلفة عن الطرق؟ الإجابة الصحيحة على ذلك: لا أحد يعرف على وجه التحديد.

قيمة لا تقدَّر بثمن

لا عجب في أن يُطلق على نظام تحديد المواقع العالمي أحياناً «المنفعة غير المرئية».

سوف تفشل أي محاولات في تقدير القيمة المادية لمثل هذه الخدمة. كما أوضح المؤلف غريغ ميلنر في كتابه Pinpoint: How GPS is Changing Our World، قد تتساءل أيضاً: «ما القيمة المادية للأكسجين بالنسبة للجهاز التنفسي البشري؟».

قصة ابتكار نظام تحديد المواقع رائعة حقاً. إذ حصل الابتكار على دعم الجيش الأمريكي في البداية؛ لأنه قد يساعد على قصف الأعداء، بالرغم من عدم تأكد الجيش الأمريكي من حاجتهم لهذا الابتكار. كانت الإجابة النموذجية دائماً: «أنا أعرف أين أنا، لماذا قد أحتاج إلى قمر صناعي ليخبرني أين أنا؟».

أُطلق أول قمر صناعي لنظام تحديد المواقع عام 1978، ولكنه لم يثبت فعاليته أمام المتشككين إلا في حرب الخليج الأولى، عام 1990.

مع دخول العملية «عاصفة الصحراء» مرحلة العواصف الرملية التي قلصت نطاق الرؤية إلى 5 أمتار فقط، سمح نظام تحديد المواقع للجنود بتحديد مواقع الألغام، وشق طريقهم نحو مصادر المياه، وتجنب تعرضهم واشتباكهم مع بعضهم البعض.

كان من الواضح أن نظام تحديد المواقع قادر على إنقاذ أرواح الكثيرين، ولم يكن لدى الجيش إلا عدد قليل من أجهزة الاستقبال على الأرض، لذا طلب الجنود من أسرهم في الولايات المتحدة أن يرسلوا، على نفقتهم الخاصة، أجهزة تحديد المواقع المتاحة في الأسواق، والتي كانت تبلغ قيمتها أكثر من 1,000 دولار.

بالنظر إلى الميزة العسكرية الهائلة التي قدمها نظام تحديد المواقع، قد تتساءل لماذا لا يمانع الجيش الأمريكي استخدام الجميع لذلك النظام؟ الحقيقة أنهم ليسوا سعداء بذلك، ولكنهم لم يتمكنوا من فعل الكثير حيال ذلك.

حاولوا جعل الأقمار الصناعية ترسل إشارتين، واحدة بمستوى دقة مرتفع للاستخدامات العسكرية الخاصة، والأخرى إشارة أقل دقة للمدنيين، ولكن الشركات وجدت طرقاً ذكية لتعزيز تلك الإشارات الضعيفة. وأصبح الدافع الاقتصادي دافعاً أقوى للشركات من أجل تحقيق ذلك.

وفي عام 2000، رضخ الرئيس بيل كلينتون للأمر الواقع وجعل الإشارة عالية الجودة متاحة للجميع.

استمرار نظام تحديد المواقع العالمي في العمل يعتمد على ما يزيد عن مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، وهذا كرم كبير منهم. ولكن هل من الحكمة أن يعتمد بقية العالم على استمرار هذه الهبة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين؟

في الحقيقة، نظام تحديد المواقع العالمي ليس نظام الملاحة العالمي الوحيد الذي يعتمد على الأقمار الصناعية.

روسيا لها نظامها أيضاً

هناك نظام روسي أيضاً، يُسمّى غلوناس (Glonass)، إلا أنه ليس جيداً جداً. وتمتلك كل من الصين والاتحاد الأوروبي مشروعاتهما الخاصة في مراحلهما المتقدمة أيضاً، وهما بايدو (Beidou) وغاليليو (Galileo)، على الترتيب. وتعمل اليابان والهند على أنظمة خاصة بهما أيضاً.

هذه الأقمار الصناعية البديلة قد تساعد على التخلص من المشكلات المتعلقة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ولكنها قد تصبح أيضاً أهدافاً عسكرية مغرية في أي صراع مستقبلي، ويمكنك أن تتخيل حرباً فضائية تجعل الجميع في وضع «عدم الاتصال». وبدون أي صراعات أو حروب، من الممكن أن يتكفل انفجار أو توهج شمسي كبير بما يكفي بتلك المهمة.

هناك بدائل بريّة للملاحة من خلال الأقمار الصناعية. يُعرف النظام البرّي الرئيسي بـ «eLoran» ولكنه لا يغطي العالم بأسره، وتبذل بعض الدول جهوداً أكثر من غيرها على أنظمتها الوطنية.

ولكن أكبر ميزة في نظام eLoran هو إشارته القوية جداً. في الوقت الذي تقطع فيه إشارة نظام تحديد المواقع مسافة 20,000 كيلومتراً في رحلتها إلى الأرض، تكون الإشارة ضعيفة جداً، مما يجعل من السهل تشويشها، أو تزييفها، إذا كنت تعلم ما يتوجب عليك فعله من أجل ذلك.

هناك أشخاص يتقاضون رواتبهم من أجل التفكير بتلك الأمور وسيناريوهات نهاية العالم؛ الاستيقاظ صباحاً لنجد كل شيء غير متصل بالإنترنت، أو إمكانية إحداث فوضى عن طريق جماعات إرهابية أو دول قومية بتغذية إشارات غير دقيقة لأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع في منطقة معينة.

وأظهر أستاذ الهندسة، تود هامفريز، أن تشويش إشارات نظام تحديد المواقع قد يتسبب في إسقاط الطائرات بدون طيار وانحراف اليخوت الضخمة. كما يخشى من قدرة المخترقين على تعطيل شبكات الكهرباء أو شبكات المحمول أو حتى أسواق البورصة.

في الحقيقة، من الصعب تقدير مقدار الخسائر الناتجة عن تشويش إشارات نظام تحديد المواقع العالمي.

ولكن اسأل فقط هذين الزوجين السويديين في كاربي. أن تعرف أنك تائه أمر، أو تعتقد بالخطأ أنك حيث يفترض بك أن تكون مشكلة مختلفة تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى