مِنَ الأسر
الأسير المحرر أحمد أبو السعود
عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مرّت الأيام صعبه، وأصعب ما فيها الانقطاع عن الأهل وأخبارهم، فقد كان صاحبنا يتابع أوضاع أبنائه، فإبنته الكبرى كانت قد تخرجت بعد أن درست علوم مكتبية، وكانت متزوجه من أحد الأقارب وهو رفيق مذ كان يافعاً، ولديها ثلاثة صبايا وإبن هو أخر العنقود، حالفها الحظ أو الكفاءة بأن تم اختيارها للعمل في مكتبة بلدية البلدة وكانت مقامه حديثاً، لقد طورت العمل فيها من خلال إعطاء دورات لطلاب المرحلة الابتدائية، وجلسات عمل (مناقشات ومسابقات)، وكانت تستضيف زواراً أجانب ممن يدعمون الشعب الفلسطيني ويقدمون دورات باللغة وغيرها، استطاعت أن تحول المكتبة إلى مركز ثقافي فيه الكثير من الكتب ومن كل الأصناف. وما تزال حتى يومنا هذا تدير هذه المكتبة، من خلال عملها تمكنت من الحصول على درجة الماجستير، بعد أن كانت قد حصلت على درجة البكالوريوس بالتنمية الاجتماعية ليساعدها في الأنشطة المكتبية، وهي تخطط للحصول على الدكتوراه.
وأما الإبن الأكبر فقد درس الهندسة الكهربائية ومنذ أكثر من عشر سنوات وهو يحاضر في جامعة بير زيت ويحمل شهادة الدكتوراه، أما الثالث فقد درس القانون الدولي ويعمل في مؤسسة حماية الطفل وقد حصل على الماجستير وبالقريب سيناقش رسالة الدكتوراه، الإبن الرابع حصل على الشهادة الجامعية لكنه لم يعمل بها، لديه عقلية عملية، ففي وقت الانتفاضة الثانية تمكن من عمل تلفزيون بالبلدة واستمر لفتره ليست قليله حتى وشى به أحد المخبرين فقدم جيش الاحتلال وصادر كافة المحتويات، لأنه كان يبث بيانات وطنيه وبيانات للجبهة وغيرها، فتح ستوديو للتصوير وهو ناجح بعمله. ابنته الصغرى في السنوات العشر الأخيرة كانت هي ووالدتها مسموح لهن بزيارة والدها، وتخرجت ولم تتوفق بإيجاد عمل لسنوات عديده بعد أن درست الإعلام.
كل أبنائه متعلمون، صحيح أن لوالدتهم الدور الأكبر في تنشئتهم وتربيتهم في ظل غياب والدهم، لكن الصحيح أيضاً أن والدهم كان له دور محفز على التعليم، التقى بثلاثة من أبنائه بعد أن تحرر وتم إبعاده عن الوطن، وحرم من اللقاء بابنته الكبرى وأحفاده لغاية الآن، وهذا حال شعبنا وما أكثر التشظي والتشتت والاقتلاع من أرض الوطن، لكننا سنبقى مؤمنون بالعودة إلى أرض الوطن كقناعتنا بتحريره من الاحتلال الصهيوني.
مرّت الشهور والوضع قاس في سجن عسقلان، وتمكن الرفاق من النجاح بإدخال جوال، وللأمانة كان أبناء الفصائل لا يحرمون من ليس لديهم جوالات، لكن بالحد الأدنى، عاد صاحبنا مرة أخرى إلى القسم الخارجي، وهناك كان أكثر الرفاق من الذين اعتقلوا حديثاً، فكانوا يعقدوا جلسة ثقافيه بالمساء موعدها يتزامن ما بعد عدد المساء أو بشكل أدق بعد تناول وجبة العشاء، والجلسة الثانية في وسط النهار. كانت الحياة تسير بشكل روتيني ممل حيث أن هذا القسم معزول عن بقية الأقسام وهو مخصص للموقوفين أي للأسرى الجدد، وصاحبنا يتواجد هناك لكي يساعد على تثقيفهم ليفهموا واقع حياة الأسر من كل جوانبها.
في يوم كان من المفروض أن يعطي جلسه ثقافيه أي هو مديرها، وقبل الموعد حضر ضباط العدد بالمساء ومعهم مجموعه من السجانين مدججين بالغاز والأسلحة النارية يقفون على بعد أمتار للتدخل في حال حصل أي شيء للضباط ومن معهم من سجانين، العدد يكون بالمناداة على الإسم وتشخيصه عبر صورته الموضوعة على كرت فيه بعض المعلومات عن الأسير، قبل أن ينادي الضابط على الإسم سلم صاحبنا ورقة وقال له هذه من العروقي، عادة يحملون أوراق تكون عليها حسابات ماليه، اعتقد صاحبنا أنها ورقة ماليه تناولها منه ووضعها على برشه جانب رأسه، بعد إقفال الغرفة يكون مباشرة موعد طعام العشاء، شرع الرفاق بوضع الأكل على الأرض لعدة مجموعات كل مجموعه أربعه أو ثلاثة رفاق، تناولوا طعامهم وعاد صاحبنا إلى برشه فشاهد الورقة، تناولها وإذا هي رساله بكلمات وليست أرقام حسابات، عنوانها نعزيك بوفاة الوالدة، أعاد إمعان النظر بالورقة ليتأكد إن كان ما قراءه صحيحاً، تبين أنه صحيح تماماً، أقفل الورقة ووضعها لثواني، ثم عاد لقراءتها من جديد، ارتعد من داخله، وتشوش بشده حيث كان لا يدري ما يقول، وقد أصبح الرفاق متحلقين بانتظاره لعقد الجلسة، حدث تغير على محياه وعلى وضعه، وهو ينظر للورقة وطار عقله إلى والدته التي تحدث معها قبل ثلاثة أيام وكانت مريضه بالفعل، لكن لم يدر بخلده أنها سوف ترحل، قام وجلس على الكرسي عندهم وطوى الكتاب بعد أن ناوله إياه أحد الرفاق ووضعه جانباً وقال اسمعوا اليوم أريد أن أغير عنوان الجلسة وسأحدثكم عن أمي، معظمهم انبسطوا وهم شباباً صغار غالبيتهم بأعمار الثامنة عشره، وبدأ يتحدث عن أمه وجوانب حياتها منذ تزوجت والده وعمرها خمسة عشر سنه، وكم أنجبت من الأبناء والبنات وحياة الشقاء التي عاشتها ككل فلاحة فلسطينية.
توفى والد صاحبنا حين كان عمر أمه سبعة وثلاثين عاماً، فتحملت المسؤولية من بعده، وفاض بتعداد صفاتها وأوصافها وكم كانت تتمنى أن يرجع صاحبنا حراً قبل وفاتها كما تمنيات كل أمهات الأسرى، جاءته بإحدى الزيارات وحيدةً وقد تأخر وصولها حوالي عشرة دقائق بسبب أنها تتكأ على العصا وقدماها لا يساعدانها كثيراً والمسافة التي علها قطعها مئات الأمتار، المهم جلست قبالته على غير عادتها بعد أن قبل أصابعها التي تمكنت من ادخالها عبر فتحات الشبك، قالت بحده “معقول يطلبوا منك تروح وترفض”، حاول أن يفهم منها لكنها لم تعطه فرصة، “قالوا لك روح ولكن وقع على ورقه، ليش ما وقعت؟”، “شو بتعني هذه الورقة قبل أن التقيك؟”. حلف لها أيماناً غليظة أنه لم يعرضوا عليه أي شيء من هذا القبيل، وأنه صاحب ملف أحمر، وأن من أخبرك يريد ازعاجك، بقيت منزعجه ولم يتحادثا سوى بهذا الموضوع وبكل أسف كانت تلك أخر زيارة لها قبل اندلاع الانتفاضة، وهنا قال لهم للأسف هي رحلت قبل أن يعود توفيت أمه، انقلب الجو من انشداد لقصه إلى أجواء حزن وكأبه، حتى أن أحدهم لم يتمالك نفسه فشرع بالبكاء، قام صاحبنا إليه وشدّ من أزره.
في العادة في حالات وفاة أحد الوالدين لأحد الأسرى يقفلون التلفاز في الغرفة مشاركة منهم للرفيق حيث يتحوطون حوله لمواساته، انفض الإجتماع وذهب كل إلى برشه الكل صامت كمن أيقظ بداخلهم حزن عميق، صاحبنا شاهد المنظر الكئيب بالغرفة، وقام إلى التلفاز وشغله، وقال لهم الحزن بالقلب وليس بالتضييق علينا، يكفي تضييق حياة السجن وقال مارسوا حياتكم بشكل طبيعي، وعاد إلى برشه لينام أي ليختلي ويعيش مع أفكاره، بكى دون أن يلحظه أحد حتى تعب من البكاء، مرت عليه أيام قاسيه وصعبه بعد رحيل والدته، فلطالما حلم بأن يعود إليها ليقبل أياديها ويحتضنها ويسعدها بوجوده معها، باليوم التالي أقيم عزاء بالساحة وتقدم كل الأسرى بعزائه، وما يزال رحيلها موجعاً جداً تنساب دموعه كلما تذكر رحيلها، لم تزوره لأكثر من أربع سنوات متتاليه قبل وفاتها.
ليزداد من عنائه بعد يومين جاء اسمه للترحيل لسجن أخر، وفعلاً حط في سجن بئر السبع، وهناك بدأ مع الرفاق بحياة أخرى، وكل الأيام صراع وعنف مع رجالات الإدارة. وكان الأسرى بشكل عام يحضّرون لخوض إضراب لإيقاف الهجمة الشرسة التي تشنها إدارة السجون على كافة الأسرى في السجون، وتسلم موقعه بالعمل ضمن قيادة المنظمة، وجرت حوارات داخل السجن ومع السجون، ولأن الوضع كان قاسٍ جداً تحمس الجميع للبدء بالإضراب، واعتقد الجميع حوالي ثلاثة عشر ألفاً من الأسرى والأسيرات أنهم قادرون على تغير الوضع برمته وتحقيق المطالب، وبدأت النقاشات والنشرات والبيانات والجلسات والتحضير ليكون الجميع على أهبة الدخول بمعركة جديده، تم الاتفاق على موعد محدد، لقد بنى الأسرى والقدامى بشكل خاص على ما أحدثه الإضراب الشهير عام 1992، ووضعت ذات الآليات وذات الخطة التي تم تنفيذها عام 1992، غافلين أن الزمن تغير والظروف السياسية انقلبت رأساً على عقب، من عارض الإضراب ولم يستجب له هو كريم يونس الذي أمضى بالسجون أربعين عاماً وقد تحرر قبل عامين تقريباً.
ما جرى كان شيء جديد وغير متوقع، فصادر السجانون كل الأغراض باستثناء بعض الملابس وسحبوا السجائر وحتى الملح وكل الأجهزة الكهربائية وفرضوا غرامه ماليه على كل أسير مضرب بما يعادل مائه وخمسين دولار، عداكم عن الغرامات لكل هفوه، وإذا وجدوا جهاز راديو يغرّمون كل الأسرى بالغرفة وتتم مصادرة الجهاز، بكل يوم يجرون التفتيشات والاستفزازات والعقاب إلى الزنازين، والأسير الذي يسحبونه للزنازين يتلقى الضرب المبرح طوال الطريق، مرت تسعة عشر يوماً دون أي تنازل من إدارة السجون، المرضى عادة لا يضربون، في غرفة الرفاق تبين أن رفيقاً كان مريض بالكلى، فمنذ اليوم الأول بدأ يضغط عليه الألم، ويطلبون له الممرض ويأتي بحماله ومعه أسيران جنائيان لحمله إلى العيادة، وبدل أن يعالجوه يمارسون عليه كل الضغوطات ليفك اضرابه، فيرفض ويعيدوه، هكذا استمر، وفي مرة يبدو أن وضع الرفيق المريض بات صعباً جداً، فحضر ضابط الأمن إلى صاحبنا بالغرفة التي كان فيها، حيث يتم توزيع الأسرى بشكل عشوائي على الغرف، إلا القيادات لكي يتفاوضوا معهم وكان هو في غرفة القيادات، قال ضابط الأمن إن وضع رفيقكم خطير، فلماذا لا تسمحون له بإيقاف إضرابه؟ رد عليه صاحبنا: هو بمحض إرادته قرر خوض الإضراب وهو يعلم أن المشاركة بالإضراب أمر طوعي، لكن بعد بدأ الإضراب لم يعد القرار له، قال الضابط هل تجعل من نفسك بطلاً على الضعفاء، فرد عليه: ليستشهد فلن يكون الأول ولا الأخير، ولن يتوقف الإضراب لا فردياً ولا جماعياً إلا بتحقيق المطالب، انتهى الحوار.
استمر الاضراب 19 يوم وتوافقت قيادات السجون على تعليق الإضراب، وللأسف توقف بعد تدخل وضغوطات من بعض قيادات السلطة على قيادات فتح بالسجون ولم يحقق شيئاً، بما عرفه لم يمر إضراب بهذا العدد الكبير ويحصد الفشل الكبير، لكنها من وجهة نظر الأسرى معركة في سياق حرب لن تتوقف طالما الاحتلال جاثماً على أرضناً، والإضراب عن الطعام هو أحد أسلحة الأسرى، أهم الأسلحة وليس الوحيد.