تحليلات و آراء

مِنَ الأسر

الأسير المحرر أحمد أبو السعود
عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

صاحبنا باعتباره أحد كادرات السجون بات شخصاً معروفاً لدى إدارة السجون، وفي ظل حالة الهجوم التي لم تتوقف على الأسرى ما بعد فشل اضراب 2004، اتبعت إدارة السجون سياسة النقل التعسفي بحق القيادات المؤثرة، فطال صاحبنا عمليات نقل متكررة، وفي المحطة ما بعد سجن السبع، نقل إلى سجن جلبوع، سجن حديث وأقسامه تم افتتاحها حديثاً، هناك أعراف لدى إدارة السجون، أي سجن أو قسم يتم افتتاحه حديثاً تكون معاملة السجانين فيه قاسيه، ويفرطون برفض أية مطالب للأسرى إلا بعد خطوات نضاليه، أي من خلال إرجاع وجبات طعام أو تهديدات جاده للسجانين.
حط صاحبنا في عام 2006 في سجن جلبوع، لم يشعر بسوء جراء النقل إلا لأنه تم إبعاده وفصله عن ابنه صلاح، الذي لحقه بعد شهور ليقضيا شهرين بذات الغرفة ويتحرر من هناك، تعرف إلى رفاق جدد وأخوة ومجاهدين لم يسبق له أن التقاهم، وانتظم بمشاركة الرفاق في إدارة الأوضاع، فيوجد منظمه حزبيه من عدة روابط. في ذاك العام قامت مجموعه من فدائيي المقاومة الإسلامية حماس بالاشتباك مع الجنود الصهاينة وأسر الجندي الذي أشتهر على صعيد العالم (شاليط)، صحيح أن عدد من المناضلين والمجاهدين ممن احتجز جنوداً أو مستوطنين بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين وعرب وانتهت عملياتهم بالفشل وأدى ذلك إلى تصفية الجنود، إلا أن أسر شاليط من على جبهة القتال وتم سحبه من وسط الدبابة، بالإضافة إلى أن إدخاله إلى قطاع غزه وإخفائه كان حدثاً غير عادي، فخبر كهذا جعل آلاف الأسرى في سجون العدو يطيرون فرحاً ويكبر الأمل لديهم بالحرية من جديد، خاصة أصحاب الأحكام العالية، ومن أمضوا سنوات طويله خلف القضبان، لم ينقطع الأمل في وقت من الأوقات لدى الأسرى، لكنه تعزز هذه المرة أكثر من ذي قبل، حيث هناك في معظم الأوقات أسرى صهاينة لدى فصائل المقاومة، وكان وما يزال الطيار الصهيوني روني اراد غير معروفة آثاره، إلا أن أسر شاليط له وقع مغاير تماماً حيث تم الاحتفاظ به على أرض محرره في قلب قطاع غزه، وقامت كافة أجهزة العدو الصهيوني بمحاولات استخباراتية وعسكريه لإعادته بدون مقابل.
الأجواء التي عاشها الأسرى بانتظار صفقة تبادل كانت فيها أحاديث مطوله وتفاعل غير عادي حول الحرية والمستقبل، فكل أحاديث الأسرى ثنائياً ومجموعات كلها حول ماذا سيفعل كل منهم بعد تحرره من الأسر، فهذا الذي بدأ يحضر للزواج، وذاك الذي طلب من أهله أن يبنوا له منزلاً، هناك من خطبوا فتيات تحضيرا للزواج ما بعد التحرر، وجلسات جماعيه طابعها الأحاديث كلها حول الحرية والتحرر، بكل حال كانت عملية الأسر بحد ذاتها انتصار ولو صغير على العدو العنجهي.
امتدت المفاوضات والحوارات لخمسة أعوام، استهدف الطرف الفلسطيني أن يحرر أكبر عدد ممكن من الأسرى ولا سيما ذوي الأحكام المؤبدة، وفعلاً تحرر أكثر من 400 أسير من المؤبدات والأسرى القدامى، والباقي من النساء والمرضى وذوي أحكام متوسطة وخفيفة، باختصار كان عرس وطني بامتياز، بعد أسبوعين على أسر الجندي الصهيوني شاليط، قامت مجموعه من مقاتلي حزب الله بأسر جنديين بهدف تحرير أسرى لبنانيين وفلسطينيين وعرب وبشكل خاص تحرير الشهيد سمير القنطار بعد أن رفض الصهاينة تحريره بصفقة سابقه مع حزب الله، وفعلاً أبرمت الصفقة وتحرر المئات من الأسرى وفي مقدمتهم الشهيد سمير القنطار، وأقيمت احتفالات على مستوى لبنان وفي فلسطين.
تحولت قضية الأسرى إلى قضية وطنيه وأخذت أبعاداً واسعه من الاهتمام من قبل أبناء شعبنا داخل فلسطين وخارجها، فقد كانت بالبداية على نطاق اهتمام الفصائل والمؤسسات التي تتابع قضايا الأسرى من خلال أنشطه في اوقات الاضرابات والمناسبات الوطنية كيوم الأسير وغيره، بينما تصاعد الاهتمام بالأسرى ربما نتيجة تراكم سنوات كثيره على بعض الأسرى خلف القضبان، وقد يكون بسبب تراجع العمل الكفاحي، ما جعل هناك مساحة لأنشطة للأسرى، والأهم ازدياد الوعي الشعبي والتعرف على من هم الأسرى وحجم ما يعانونه، وكذلك جراء فشل السلطة الفلسطينية بتحريرهم وخاصة ذوي الأحكام المؤبدة والعالية، وربما التطور التكنلوجي الذي أوصل العالم ببعضه سريعاً.
في ذات العام 2006 أقدم الاحتلال على اختطاف الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات والرفاق ممن نفذوا عملية تصفية الوزير المجرم الصهيوني رحبعام زئيفي صاحب فكرة التهجير والإبعاد للفلسطينيين عن أرضهم، لقد كان مشهداً يعبر عن التمادي والإجرام الصهيوني من خلال تطويق سجن أريحا حيث كان محتجزاً فيه سعدات ورفاقه، ومعهم فؤاد الشوبكي المقرب من أبو عمار، وكل أبناء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كانوا عرضة للاعتقال لأنهم يحرسون سجن أريحا، جدير ذكره أن هناك حراسات أوروبية كانت مكلفه بمراقبة الأمين العام ورفاقه، كانت كما يبدو وبالتواطؤ مع الصهاينة قد انسحبوا من السجن قبل يومين من عملية الاقتحام، ما يعني أن اعتقال السلطة الفلسطينية للمناضلين هو أمر قبيح ومسيء للشعب الفلسطيني وللنضال الفلسطيني.
استمرت عملية الحصار والهدم التدريجي للسجن واعتقال رجال الأمن الفلسطينيين حتى ساعات المساء وتحت أعين الكاميرات الإعلامية، أي أن العالم كان يشاهد ما يدور، وقد حوصر سعدات ورفاقه في غرفة واحد وبقي إما أن يهدموا أو يفجروا المكان على رؤوسهم أو يخرجوا، خرجت جموع الأسرى ورجال أمن السلطة عراه إلا من اللباس الداخلي السفلي، بينما رفض سعدات ورفاقه ذلك، وخرجوا جميعاً بعد أن تخلت السلطة عن مسؤوليتها عنهم، وجلبوهم للتحقيق في مراكز التحقيق الصهيونية لفترة من الزمن، وقدموا إلى المحاكمة، فأعلن سعدات ورفاقه في كل جلسه عدم اعترافهم بالمحكمة ورفض أية اتهامات موجهه لهم، في نهاية المطاف أوقع الاحتلال حكماً بالسجن ثلاثين عاماً بحق الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات ومؤبدات بحق الرفاق الآخرين، ومنهم مسؤول كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في حينه عضو اللجنة المركزية العامة عاهد أبو غلمي، والرفاق حمدي قرعان وباسل الأسمر منفذا عملية إعدام زئيفي، ومجدي الريماوي الذي كان مسؤولاً للمجموعة، وكان سبقهم بالاعتقال من قبل الصهاينة ابن مجموعتهم محمد الريماوي، وكلهم حكموا بالمؤبدات، وجميعاً الآن ينتظرون التحرر في صفقة التبادل التي سوف تتم قريباً.
مضت شهور على وجودهم بمراكز التحقيق ومراكز التوقيف، وبعد إصدار الحكم الجائر بحقهم، جرى توزيعهم على السجون فاحضروا سعدات إلى سجن جلبوع ووضعوه في قسم خاص بحماس، لا يتواجد فيه سوى أسرى حماس، في اعتقاد من السجانين أنهم سيعاقبونه طالما هو في قسم لأسرى حماس، إلا أن الذي جرى كان عكس ما خططوا له حيث لقي سعدات استقبالاً حاراً وعناية لا مثيل لها من الأخوة أسرى حماس، هو يدخن السجائر وأسرى حماس لا يدخنون، فوفروا له كميات من السجائر وكل ما يرغب به من مشاهده للتلفاز والقهوة، باختصار قد جن جنون إدارة السجن وهي ترى أسرى حماس يتحلقون حول سعدات وهم في قمة الانسجام، لذلك لم يطل بقائه ونقلوه إلى سجن أخر، علماً أن الرفاق في أقسام جلبوع قد طالبوا بسعدات والرفاق الأخرين ليأتوا بهم إلى غرف أسرى الجبهة، لكنهم بعد وقت أدخلوا الرفاق لغرف أسرى الجبهة، ولكن سعدات تم نقله إلى سجن آخر.
صحيح أن سعدات لم يصل إلى غرف الرفاق، لكنهم تواصلوا وإياه عبر الرسائل الصغيرة (الكبسولات)، وشرحوا له أوضاع الرفاق في السجون وظروف السجون سواء على الصعيد الداخلي لأسرى الجبهة أو على الصعيد العام للأسرى، وهذا ما ساعده ليشكل صورة استخرج منها فكرة إعادة بناء الوضع التنظيمي الداخلي لأسرى الجبهة من خلال تشكيل فرع حزبي، فكانت الخطوة الأولى بناء لجنه قياديه مؤقته تحضر إلى مؤتمر، وتعدّ وثائق ومتطلبات المؤتمر، وبالفعل انهمك الجميع بالعمل وكان من أبرز القرارات التي صدرت عن هذه الهيئة المؤقتة اتخاذ قرار بمنع أية تحقيقات مع أي مشبوه بالتعامل مع الاحتلال، وإحالة كل ما عليه إلى القيادة المؤقتة التي بدورها تقرر بشأنه بعد أن كانت كل قياده منظمه تقرر ما تراه، وهذا أوقع أخطاء للأسف.
مضى عامان وأكثر فترة التحضير للمؤتمر، وفي السجون ليس سهلاً التواصل بين أعضاء القيادة المنتشرين في كل السجون، وتبادل الآراء حول الوثائق، ومن ثم نقاشها من قبل أعضاء المؤتمر والتصويت عليها وإقرارها، ثم عملية انتخاب لقيادة الفرع ومسؤول هذه القيادة حيث وضعت الثقة بصاحبنا ليكون مسؤولاً لقيادة الفرع الأول، كل هذه العملية استغرقت شهوراً لإتمامها، لكن في نهاية المطاف تم توحيد منظماتنا في السجون بمنظمه واحده تتألف من مناطق عده ولها قيادة واحده وهي المرة الأولى في السجون، بعد أن كانت لدى رفاقنا تجربة مماثله بتشكيل منظمه واحده بقياده واحده في بداية تسعينات القرن الماضي، ولكنها لم تطل بسبب اتفاق أوسلو الذي شمل الكثيرين من الهيئة القيادية الأولى والوسطى ورفاق آخرين، لقد كانت هذه الخطوة الأولى بتاريخ السجون أن اصبحت قياده واحده لمنظمات منتشرة على عدد السجون، وسعى الرفاق لنقل التجربة للفصائل، وفعلاً لحق تنظيم حركة حماس بأن وحدت قرارها من خلال قيادة موحده في السجون، ثم أسرى الجهاد الإسلامي، والجبهة الديمقراطية، وتأخر أسرى حركة فتح علماً أنهم يشكلون الأكثرية عدداً بين جموع الأسرى في السجون، والآن يوجد لجنة طوارئ عليا تقود الأسرى في السجون الصهيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى