أتى أوميكرون بما لا يشتهي هؤلاء.. عمال يحلمون بالهجرة إلى دول تحتاجهم بشدة، ولكن!

تحتاج كثير من الدول المتقدمة إلى تعويض النقص الحاد في العمالة لديها ووضعت لذلك خططاً لتشجيع الهجرة، لكن متحور أوميكرون وضع تلك الدول في ورطة تسعى الآن للبحث لها عن حلول للخروج منها.

وفي الوقت الذي كان العالم يستعد فيه للعيش مع وباء كورونا، في ظل اقتراب دول من تطعيم مواطنيها بالكامل، أثار ظهور المتحور أوميكرون القلق مرة أخرى، بسبب العدد الهائل من الطفرات في بروتين الفيروس، ما يشير إلى قدرة أكبر على نقل العدوى.

وزاد القلق بعد أن أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرات مقلقة بشأن متحور أوميكرون، الذي اكتُشف في دول الجنوب الإفريقي، واصفةً إياه بأنه قد يكون الأخطر على الإطلاق منذ اكتشاف سلالة دلتا.

حظر السفر لمواجهة أوميكرون

سارعت كثير من الدول باتخاذ قرارات حظر السفر من وإلى جنوب إفريقيا ودول أخرى، وعلى الرغم من التشكيك في الجدوى الحقيقية لتلك القرارات في مواجهة أوميكرون، فإن تلك القرارات توسعت كثيراً وباتت تمثل حجر الزاوية في خطط كثير من الحكومات لمنع موجة جديدة من تفشي الوباء القاتل.

وتناول تقرير لصحيفة Wall Street Journal الأمريكية تأثير تلك القرارات بصورة سلبية على خطط الحكومات لجذب العمال المهاجرين، في وقت تواجه فيه تلك الدول نقصاً حاداً في العمالة الماهرة.

إذ مثّل انتشار متحوِّر أوميكرون من فيروس كوفيد-19، ضربةً للحكومات في أنحاء العالم التي كانت تعتمد على العمال الأجانب للمساعدة في تخفيف نقص العمالة الذي يعيق اقتصاداتها.

الاتحاد الأوروبي منع دخول بعض المطعَّمين
عقبة السفر في زمن كورونا/ Istock

وأدَّى المتحوِّر الجديد إلى حظرٍ للسفر وفرضٍ لقيودٍ أكثر صرامةً على الوافدين الجدد في عشرات البلدان، مِمَّا أسفر عن تعطيل فتح أبواب هذه البلدان مع زيادة تغطية التطعيم وتسارع النمو الاقتصادي. وقد أدَّى ذلك إلى توقُّف جهودٍ واسعة النطاق من قِبَلِ العديد من الاقتصادات المتقدِّمة لجذب العمال الأجانب إلى أراضيها.

ويقول علماء واقتصاديون إن المدة التي ستستغرقها هذه الاضطرابات غير واضحة، وتعتمد على مدى خطورة متحوِّر أوميكرون ومدى مقاومته للقاحات. إذ سعت أستراليا والمملكة المتحدة وكندا إلى تخفيف قواعد الدخول إلى كلٍّ منها، حيث تدعو الشركات العمال لتلبية الزيادة في الطلب بعد تخفيف قيود كوفيد-19، بينما تدرس ألمانيا ما إذا كانت ستجذب مزيداً من المهاجرين.

وفي الشرق الأوسط، تعمل الحكومات على تخفيف القواعد التي تربط العمال المهاجرين بأصحاب العمل، فيما تعمل اليابان على تخفيف القيود.

ارتباك خطط استجلاب العمالة

عطَّلَ متحوِّر أوميكرون بعض تلك الخطط. ففي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، أجَّلَت أستراليا خططاً، لمدة أسبوعين، لإعادة فتح حدودها الدولية أمام العمال المهرة والطلاب المُلقَّحين بالكامل. وأغلقت اليابان حدودها أمام الأجانب غير المقيمين، رغم أن مسؤول الهجرة قال إنه من السابق لأوانه القول ما إذا كان المتحوِّر الجديد سيؤثِّر على هدفه الأوسع المتمثِّل في الترحيب بمزيد من الأجانب.

أدَّى انخفاض معدَّلات المواليد إلى تقلُّص عدد السكَّان في سنِّ العمل بالعديد من البلدان الغنية، وكشفت الجائحة عن اعتمادهم المتزايد على العمالة الأجنبية.

وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن عدد المهاجرين الوافدين إلى دولها الأعضاء، البالغ عددها 38 دولة، انخفض بنحو الثلث عام 2020، مقارنةً بعام 2019، إلى 3.7 مليون، وهو أكبر انخفاضٍ منذ بدء التسجيل عام 2003.

وأصدرت الولايات المتحدة نحو 164 ألف تأشيرة هجرة في عام 2020، بانخفاضٍ بنسبة 64% عن عام 2019. وبينما كانت الأرقام أعلى هذا العام، فإنها تقل بنسبة 21% عن عام 2019. وانخفض عدد المقيمين الدائمين الجدد في كندا بنحو النصف، العام الماضي.

لكن الانتعاش الذي كان مُتوقَّعاً هذا العام والعام المقبل في الهجرة، طغى عليه متحوِّر أوميكرون الآن. وهجرة العمالة من العديد من البلدان الآسيوية الكبيرة -التي توفِّر نسبةً كبيرةً من العمال الأجانب في العالم- أقل بكثير من مستويات ما قبل الجائحة.

الهند
كيف وصلت سلالة دلتا من الهند إلى أستراليا؟/ رويترز

وخلال شهر سبتمبر/أيلول من العام الجاري، أرسلت الفلبين 539 ألف عامل إلى الخارج، وكانت بذلك في طريقها إلى أن تكون أعلى من عام 2020، لكنها لا تقترب من الـ2.2 مليون في عام 2019.

ومنذ وصولها إلى منزلها في إحدى ضواحي العاصمة الفلبينية مانيلا في سبتمبر/أيلول الماضي، باعت السيدة سانتياغو ماندالانو منتجات التجميل، لكنها كافحت من أجل إعالة أسرتها.

تقدَّمَت بطلبٍ لوظيفةٍ دولية، لكنها تقول إن القليل من هذه الوظائف متاحٌ الآن، لأن العديد من الكازينوهات لا تزال مُغلَقة. وقالت: “أنا محبطةٌ للغاية، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ أنا بحاجةٍ للكفاح من أجل البقاء”.

وفي أستراليا، توقَّعَت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني أن الناتج المحلي الإجمالي المُحتَمَل سينخفض بنسبة 2.1% سنوياً في السنوات المقبلة، بسبب تباطؤ النمو بالسكَّان في سنِّ العمل. وانكمش عدد سكَّان سنغافورة بنحو 5% إلى 5.5 مليون في نهاية يونيو/حزيران مقارنةً بعام 2019.

وأدَّى التباطؤ في الهجرة، إلى تفاقم النقص في اليد العاملة بجميع أنحاء العالم. وأدَّت البرامج الحكومية التي تهدف إلى منع تسريح العمال، إلى الحدِّ من إعادة توزيع العمالة بين الصناعات المتعثِّرة والصناعات المزدهرة، في حين أن بعض العمال الذين سقطوا من القوى العاملة أثناء الجائحة، لم يعودوا بعد.

تخفيف شروط الهجرة، ولكن!

استطلعت شركة التوظيف ManpowerGroup رأي نحو 45 ألف صاحب عمل في 43 دولة حول خطط التوظيف للربع الرابع من العام، ووجدت أن 69% منهم يواجهون صعوبةً في شغل الوظائف لديهم.

في ألمانيا، تكافح الشركات لملء أكثر من مليون وظيفة شاغرة، إذ أدَّى الانخفاض الحاد في صافي الهجرة، إلى تفاقم النقص الناتج عن الشيخوخة السريعة للقوى العاملة. ويقول المسؤولون الألمان إن الأمة بحاجةٍ إلى نحو 400 ألف عامل ماهر أجنبي المولد سنوياً.

وقال جونتر شميتز، مدير بنك لعملاءٍ من الشركات خارج فرانكفورت: “لا يوجد عميلٌ يقول إن لديه عمالاً بالعدد والجودة المناسبين. إنه لأمرٌ مدهش كيف يجري التشغيل عبر جميع مستويات التأهيل؛ من عمال النظافة إلى المهندسين”.

تخطِّط الحكومة الألمانية الجديدة لتبسيط قواعد الهجرة؛ لجذب العمال المهرة من الخارج. وتخطِّط الحكومة الكندية لقبول 401 ألف مقيم دائم جديد هذا العام، أي نحو 60 ألفاً، أكثر من المقبولين قبل الجائحة، وتتوقَّع زيادةً أكثر خلال العامين المقبلين.

وقال وزير الهجرة الكندي شون فريزر، في تصريحاتٍ أرسلها مؤخَّراً عبر البريد الإلكتروني لصحيفة Wall Street Journal الأمريكية: “كندا بحاجةٍ إلى الهجرة؛ لخلق فرص عملٍ ودفع انتعاشنا الاقتصادي”.

وفي اليابان، حيث ينخفض عدد السكَّان في سنِّ العمل منذ عام 1995، أزعجت الجائحة خطط جذب مزيد من العمال الأجانب في الصناعات المتعطِّشة إلى العمالة، مثل رعاية المسنين والبناء، من خلال تحرير المهاجرين من القواعد الصارمة التي تمنع الوافدين الجدد من إحضار أسرهم أو تمديد إقامتهم.

وفي عام 2019، حدَّدَت البلاد هدفاً يتمثَّل في جلب 345 ألف عامل أجنبي على مدى السنوات الخمس المقبلة. ولكن حتى الآن وصل 40 ألفاً فقط. ومع انتشار نقص العمالة في صناعاتٍ مثل الزراعة وتصنيع الأغذية، تفكِّر الحكومة في تخفيف القواعد على نطاقٍ أوسع.

وفي المملكة المتحدة، يتفاقم النقص في العمالة نتيجة الجائحة، بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي أنهى الحقَّ التلقائي لمواطني دول الاتحاد الأوروبي في العيش والعمل بالبلاد.

أولاف شولتز مستشار ألمانيا الجديد، رويترز

انخفض عدد مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في المملكة المتحدة بمقدار 217 ألفاً في عام 2020، مقارنةً بعام 2019، إلى 3.5 مليون، وفقاً للتقديرات الرسمية. وبلغ عدد الوظائف الشاغرة 1.2 مليون هذا الخريف.

وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، شدَّدَت السلطات قواعد الهجرة، وضمن ذلك فحص الوافدين المُحتمَلين، من خلال معايير الأرباح المُتوقَّعة والطلاقة في اللغة الإنجليزية. لكنهم يصدرون الآن آلاف التأشيرات الإضافية لسدِّ فجوات العمالة سريعاً، وضمن ذلك 5 آلاف تأشيرة لمدة ثلاثة أشهر لسائقي الشاحنات، و5.500 تأشيرة للعاملين في صناعة المواد الغذائية؛ لضمان توافر عددٍ كافٍ من عمال الدواجن للعمل على الديوك الرومية في أعياد الميلاد.

كافحت عافية أكرم للعثور على موظَّفين؛ لتوسيع أعمالها بصناعة السمبوسة في برمنغهام بإنجلترا، حيث جفَّ إمداد العمال الذين تستأجرهم عادةً من وسط وشرق أوروبا. ولم تتمكَّن من العثور على عمال مواليد محليين مشابهين بأجرٍ يمكنها دفعه.

وقالت لـ”وول ستريت جورنال”: “غطَّت جائحة كوفيد-19 على قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”، والتي كانت تقلِّل بالفعل من العمالة الأجنبية.

وفي الولايات المتحدة، حيث كانت هناك 11 مليون وظيفة شاغرة اعتباراً من أكتوبر/تشرين الأول، كان إيجاد حلٍّ سياسي لنقص العمالة المهاجرة أصعب. وأدَّى التغيير في السياسات في عام 2016 إلى صعوبةٍ في حصول الشركات على العمال العائدين إلى البلاد بتأشيرات H-2B، المُصمَّمة للعمال المؤقَّتين غير الزراعيين.

اعتادت جوديث أوغدن، مالكة شركة Ogden’s Design and Plantings، وهي شركة تنسيق حدائق سكنية في سانت جيمس، بنيويورك، إعادة العمال أنفسهم من الخارج عاماً بعد عام. والآن، يتعيَّن عليها الدخول في يانصيب حكومي؛ لتأمين تأشيراتٍ لهم. ولقد حصلت على العمال الذين بحثت عنهم هذا العام، فقط في يوليو/تموز، بعد ثلاثة أشهر من احتياجها لهم.

وقالت: “فقدتُ عملاء، لأن الناس لا يطيقون الانتظار. إنه أمرٌ مُروِّع. الجزء المُحزِن هو أنه إذا حصلت على عمالي فإن عملي سينمو بشكلٍ كبير”.

حاولت أوغدن العثور على سكَّانٍ محليين يملأون الوظائف. حتى إنها طلبت من عضو بالكونغرس وضع علامة في مكتبه. وعرضت نحو 18 دولاراً في الساعة، علاوة على احتساب العمل الإضافي. ولم يشغل أحدٌ أيَّ وظيفة.

ورفع الكونغرس الحدَّ الأقصى لتأشيرات H-2B هذا العام، إلى ما مجموعه 66 ألفاً في السنة المالية 2022، لكن هذا لا يزال أقل بكثيرٍ من الطلب. علاوة على أن عدد تأشيرات H-1B أقل من الطلب، هناك قليل من الحركة لإجراء إصلاحٍ شاملٍ للهجرة في الكونغرس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى